أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
210
التوحيد
في الخلقة احتماله لجاز نفي علم الاضطرار فيما كان ذلك طريقه ، فيبطل علم العيان ، مع ما كان ذلك طاعة وائتمارا ، والجبر يسقط ذلك كله ، فيصير في التحصيل كأنه قال : لو شاء لمنعكم عن الإيمان وعن ملّة واحدة ، وهذا خلف من القول ، وإنما أخبر أنه لو شاء لجمعكم على الهدى ، وقد آمن بعضهم بالاختيار ، ولو كان جبر البقية لم يكن ليجمعهم ، ولكن يمنعهم عما أبوا به من دينه وطاعته ، وذلك بعيد وحش . وأيضا أنه لا صنع للخلق في موضع الجبر والقهر ، وإنما يرجع ذلك إلى إيمان الخلق ، وكل جوهر بخلقته مؤمن مهتد ، بل به هداية كثير من الخلق ، فإذا ذلك قد شاء وقد كان بالقول " بلو شاء " لا معنى له ، وعلى ذلك قوله : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً [ يونس : 99 ] . وأيضا مما يبطل تأويل القسر قوله : وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ [ السجدة : 13 ] ، ومشيئة الجبر لا تسقط ما ذكر أنه حق ، ولا قوة إلّا باللّه . وقال اللّه : مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ الأنعام : 39 ] ، وعند المعتزلة إنه شاء جعل الكل على ذلك ، وهو عز وجل وعد أن يكون الذي شاء كذلك فلم يكن . وقال عز وجل : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً 23 إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الكهف : 23 - 24 ] ، فلا يخلو هذا الشيء من أن يكون في الخيرات ، فهو لغو على قولهم ؛ لأنه قد شاء ، وإذا لم يكن أيضا يصير كأنه مأمور بالقول الكذب ؛ لأنه أمر أن يقول كذا ، ولم يكن كذا ، وإن كان شرا لا يشاءه ، فذكره عندهم لا معنى له ، ولا قوة إلّا باللّه . وقال اللّه عز وجل : فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [ هود : 107 ] ، امتدح جل ثناؤه بالفعل لما يريد ، وعند المعتزلة ما يريد من الخيرات التي تكون من الخلق مما لو اجتمع الخلق على إحصائها لم يبلغوا جزءا من ألف جزء مما أراد فلم يفعل وهو عز وجل تمدح به . ثم من عظيم قولهم إن عند اللّه مشيئة جبرا لو كانت لكان الخلق على ما قال ، فمن يصدقهم على هذا الدعوى أن له هذه القدرة أو المشيئة التي تعمل هذا العمل بعد أن ظهر للخلق كل هذا الخلف في وعده وهذا العجز في فعله ، أو متى يؤمن بوعد من وعد الخلق أن يفعل ما يريد أكثر مما يبلغه حساب الخلق ثم يخلف ، ومن يثق بعد هذا بوعده ، أو متى يخاف وعيده ، وهذا محله عندهم . فإن أراد أن يظهر عجزه وخلفه وما لا يليق بوصف الحكمة فأي شيء كان يبدي ليعلم به هذا على مذهب الاعتزال ، جل ربنا وتعالى عن ذلك .